نذير حمدان
33
حكمة القرآن والحضارة
إن أرسطو حينما زيّف نظرية المثل الأفلاطونية ، لم يكن عمله هذا - وهو هدم لشيء يسمى فلسفة - بعيدا عن معنى الفلسفة ، ثم إن عمله هذا كان خطوة تمهيدية لا بدّ منها ، للوصول إلى نظريته الجديدة التي ملأ بها فراغ النظرية التي استبعدها . . . « 1 » . وقال حديثا بعض الفلاسفة الميتافيزيقيين عن خصومهم من الفلاسفة الوضعيين : إنهم الفلاسفة الذين يفاخرون بأنهم ليسوا بفلاسفة ، إن موقفهم من إنكار الفلسفة موقف فلسفي لا محالة « 2 » . إن كثيرا من المذاهب الفلسفية الحديثة تحمل مضمونا شكّيا أو إنكاريا للدّين المسيحي وللدّين عموما فهي على اختلاف نزعاتها تبعد الأثر اللاهوتي في النفس والحياة ، وتحاول أن تجعل من نفسها مذهبا فكريا ودينيا يمكن أن يعوّضه عن الإلحاد والإنكار كما هي عليه الماركسية والوجودية اللتين تقيمان أخلاقا مذهبية خاصة بدلا من الأخلاق الدينية . والاختلاف الفكري المذهبي بين قطبي التصورات الفلسفية يؤكد على تبعية المذهب لواضعه وتبنّيه له بدوافع ذاتية وخارجية ، وهذا يعني وجود فوارق كبيرة ومسافات شاسعة بين اللاهوت الماركسي المغرق في الماديات وبين اللاهوت المتيافيزيقي وبخاصة المجموعة الفلسفية الفرنسية المعروفة باتجاه ( فلسفة الروح ) التي يقودها رينه لوسن ( ولد 1882 ) ولوي لافل ( ولد 1883 ) وقديما بين الصوفية الهندية المفرطة والمادية الإسبارطيّه المفرّطة ، وبين هذين القطبين المتباعدين نشأت فلسفات مختلفة يعارض بعضها بعضا بدرجات متفاوتة من الالتصاق الواقعي أو الذهني أو الشخصي « 3 » . فإذا وقع تعارض في المذهبية الواحدة وأحيانا بالنسبة للشخص الواحد وللفئة المذهبية الواحدة فأحرى أن يقع هذا التعارض ويشتدّ ويتسع مداه بين أرباب المذاهب بعضها
--> ( 1 ) د / سليمان دينا في مقدمة كتاب تهافت التهافت . ( 2 ) تهافت الفلاسفة مقدمة المحقق 10 ، 11 . ( 3 ) الاختلافات المشار إليها من : الفلسفة المعاصرة في أوروبا ومعظمها حرفي من غير تعليق على الشاذ منها ، فإن في تعارض بعضها بعضا أبين تعليق وردّ ، وانظر مواقفهم المتعارضة أيضا في المسألة الجمالية في كتابي : الظاهرة الجمالية في القرآن ، وكذلك تعارضهم من مسائل الحق والخير .